أبو نصر الفارابي

36

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

المادة التي فيها يوجد الشيء . فمتى كان الشيء في وجوده غير محتاج إلى مادة ، كان ذلك الشيء بجوهره عقلا بالفعل : وتلك حال الأول . فهو إذن عقل بالفعل « 1 » ، وهو أيضا معقول بجوهره . فإن المانع أيضا للشيء من أن يكون بالفعل معقولا هو المادة . وهو معقول من جهة ما هو عقل « 2 » ؛ لأن الذي هويته عقل ليس يحتاج في أن يكون معقولا إلى ذات أخرى خارجة عنه تعقله ؛ بل هو بنفسه يعقل ذاته ، فيصير بما يعقل من ذاته عاقلا وعقلا بالفعل ، وبأن ذاته تعقله ( يصير ) معقولا بالفعل . وكذلك لا يحتاج في أن يكون عقلا بالفعل وعاقلا بالفعل إلى ذات يعقلها ويستفيدها من خارج ، بل يكون عقلا وعاقلا بأن يعقل ذاته . فإن الذات التي تعقل هي التي تعقل ، فهو عقل من جهة ما هو معقول ؛ فإنه عقل وإنه معقول وإنه عاقل « 3 » . هي كلها ذات واحدة وجوهر واحد غير منقسم . فإن الانسان مثلا معقول وليس المعقول منه معقولا بالفعل ، بل كان معقولا بالقوة ثم صار معقولا بالفعل بعد أن عقله العقل . فليس إذن المعقول من الانسان هو الذي يعقل ، ولا العقل منه أبدا هو المعقول ، ولا عقلنا نحن من جهة ما هو عقل هو معقول ، ونحن عاقلون لا بأن جوهرنا عقل ؛ فإن ما نعقل ليس هو الذي به تجوهرنا . فالأول ليس كذلك ، بل العقل والعاقل والمعقول فيه معنى واحد ، وذات واحدة ، وجوهر واحد غير منقسم « 4 » .

--> ( 1 ) الله عقل بالفعل . ( 2 ) الله معقول من ذاته . ( 3 ) الله لا يعقل سوى ذاته . ( 4 ) الفرق بين الله والانسان العقل من غير المعقول .